ثياب الاقتصاد بعيون مصرية بقلم حسين عبيد

 

ثياب الاقتصاد بعيون مصرية




باب المندب: هل نجحت مصر السيسي في احتواء خطر الحوثيين؟

بقلم/حسين عبيد صحفي وباحث قانوني واقتصادى 


نظرت مصر إلى مشكلات المنطقة بعين عميقة، لا ترى السطح فقط، بل تغوص إلى ما تحت الرمال، وتبحث عن جذور الخطر ومكامن التهديد.


حددت القاهرة مبكرًا مصادر الخطر على أمنها القومي وعلى المنطقة، وكانت تلك رؤية قائد يمتلك عينًا ثاقبة وخلفية استخباراتية عميقة، تدرك أن الصراعات لا تبدأ دائمًا من فوهة البندقية، وإنما قد تبدأ من الممرات والحدود ومصادر الطاقة ومراكز النفوذ.


ومن هنا جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، تكون درعًا وسيفًا للمنطقة العربية، وتمنح الدول العربية قدرة أكبر على حماية أمنها ومصالحها.


لكن البعض غابت عنه الرؤية، واختار الاتكال على القوة الأمريكية باعتبارها الضامن الدائم لأمن المنطقة، وكأن أمن الشعوب يمكن أن يبقى مرهونًا بإرادة قوة خارجية.


وكان ذلك، في تقديري، نقطة تحول في قراءة مستقبل المنطقة.


واليوم، وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من صراع على الممرات، وتشكيل تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية، يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الجغرافيا مجرد حدود على الخرائط، وإنما أصبحت الممرات البحرية ومصادر الطاقة ومواقع النفوذ جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.


فهل كان السيسي رجل الأقدار؟


قد يكون السؤال أكبر من إجابة مباشرة، لكن المؤكد أن القيادة المصرية وجدت نفسها أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد، فرضت عليها أن تختار بين الانفعال السياسي والحسابات الاستراتيجية.


أمن عربي لا يقوم على الاتكال


إن المرحلة الحالية تفرض ضرورة صياغة تحالفات عربية حقيقية لحماية أمن شعوبنا العربية وسلامتها، وفي مقدمتها دول الخليج.


وكفى توكلًا على أمريكا؛ فمن يستظل بها وحدها قد يكتشف، عند اشتداد العاصفة، أنه بلا مظلة.


فالقوة الدولية قد تكون شريكًا، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن القوة الذاتية.


ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها مصر، استطاعت القاهرة، وفق رؤيتها الاستراتيجية، أن تحدد بوصلة الخطر، وأن تتجنب الانخراط في تحالفات أو أعمال عسكرية غير محسوبة العواقب.


ومرت مصر، حتى الآن، وسط أمواج عاتية تضرب المنطقة، محافظة على دفة قرارها الوطني، ومتمسكة بسياسة تقوم على الحسابات والمصالح، بعيدًا عن المغامرة غير المحسوبة.


وهنا تظهر قيمة القرار السياسي؛ فليس المطلوب أن تدخل الدولة كل معركة، وإنما أن تعرف أي معركة تخوض، ومتى تخوضها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه شعوبها واقتصادها.


باب المندب.. أمن قومي واقتصاد مصري


ولا يمكن النظر إلى باب المندب باعتباره مجرد مضيق بحري بعيد عن القاهرة.


فأي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة التجارة العالمية، وعلى قناة السويس، وعلى الاقتصاد المصري.


وهنا يصبح السؤال عن الحوثيين أكبر من مجرد سؤال عسكري.


فالمسألة تتعلق بأمن الممرات البحرية، واستقرار التجارة الدولية، وتكاليف النقل والطاقة، ومكانة قناة السويس في الاقتصاد العالمي.


إن تهديد الملاحة في البحر الأحمر لا يضر مصر وحدها، لكنه يضع المنطقة كلها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الدول العربية حماية شرايينها الاقتصادية والاستراتيجية، أم ستظل رهينة لتدخلات القوى الكبرى؟


ومن هنا تأتي أهمية الرؤية المصرية التي تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءًا من الأمن القومي المصري والعربي.


غزة.. اختبار آخر للدور المصري


وفي ملف غزة، لا يمكن تجاهل الدور المصري في إدارة الأزمة، والضغط من أجل وقف الحرب، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، والتمسك ببقاء القضية الفلسطينية في إطارها السياسي والوطني.


وقد واجهت القاهرة ضغوطًا إقليمية ودولية شديدة، لكنها تمسكت بموقفها الرافض لتحويل التهجير إلى حل دائم للقضية الفلسطينية.


وفي الوقت نفسه، أصبحت إسرائيل أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، مع تعدد جبهات الصراع، من غزة إلى لبنان وسوريا والبحر الأحمر، فضلًا عن المواجهة مع إيران.


أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة صعبة بين دعم إسرائيل ومحاولة منع اتساع دائرة الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.


وهكذا أصبحت المنطقة بأكملها تعيش فوق برميل من الحسابات المتشابكة، وأصبح أي خطأ في تقدير الموقف قادرًا على فتح جبهة جديدة.


فأين السبيل إلى الخروج بأمن مصر والمنطقة من هذه الأمواج الملتهبة؟


السؤال هنا لا يبحث عن انتصار طرف على آخر بقدر ما يبحث عن طريق للنجاة.


فأمن مصر لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأمن الخليج لا ينفصل عن أمن قناة السويس، واستقرار الممرات البحرية لا ينفصل عن استقرار الاقتصاد العربي.


والسبيل، في تقديري، يبدأ من بناء قوة عربية حقيقية، سياسية واقتصادية وعسكرية، تقوم على التعاون والتكامل، لا على التبعية والاتكال.


نحتاج إلى منظومة عربية لحماية الممرات البحرية، وإلى تعاون اقتصادي يخفف آثار الأزمات، وإلى تنسيق سياسي يجعل القرار العربي أكثر قدرة على التأثير، وإلى قوة عسكرية رادعة لا تبحث عن الحرب، وإنما تمنع الآخرين من فرضها.


وهنا تستطيع مصر أن تلعب دورًا محوريًا بحكم موقعها وثقلها ومكانتها، دون أن يعني ذلك الدخول في كل صراع أو فتح جبهات جديدة.


فالحكمة ليست في أن تخوض كل المعارك، وإنما في أن تعرف متى تقف، ومتى تتحرك، ومتى تقول لا.


إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من النار، وإنما تحتاج إلى عقل سياسي يطفئها، وقوة تحمي السلام إذا فُرض عليها الدفاع عنه.


وباب المندب ليس نهاية الحكاية، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة في إعادة تعريف الأمن العربي.


فإذا كانت الأمواج اليوم عاتية، فإن الخروج منها لن يكون بالاتكال على سفينة يقودها الآخرون، وإنما ببناء سفينة عربية قوية، تعرف وجهتها، وتمتلك قرارها، وتستطيع أن تحمي ركابها.


وهنا يبقى السؤال الأكبر:


هل تستطيع مصر والدول العربية تحويل هذه الأزمة من تهديد يضرب أمن المنطقة واقتصادها، إلى فرصة لبناء منظومة أمن عربي مشتركة تحمي الإنسان والأرض والممرات والمصالح؟


ففي عالم لا يحترم إلا القوة، لا يكفي أن تكون لنا مواقف شريفة...


بل يجب أن نمتلك القدرة على حماية هذه المواقف.





تعليقات

ميجاستار

مصر تدين الهجمات التي استهدفت خط أنابيب في السعودية وتؤكد تضامنها مع المملكة