حين إشتكى الألم بقلم منى بغدادي مصر 🇪🇬
حين إشتكى الألم
بقلم منى بغدادي مصر 🇪🇬
لم يأتني الألم هذه المرة كوجع ينهش الجسد ، بل كصوت يطرق أبواب الروح .
وقف أمامي ، لا كخصم ولا كعدو ، بل كقاض يرفع دعواه عليّ ، وكأن الأدوار قد تبدلت ، فأصبحتُ أنا المتهمة ، وصار هو صاحب الشكوى .
قال لي :
«أتدري ما يؤلمني فيكِ؟ أنكِ لا تريني إلا حين أوجعكِ، ولا تسمعيني إلا حين أشتد عليكِ ، ثم تحاكميني دون أن تمنحيني فرصة الدفاع عن نفسي .
أنا لم أطلب منكِ أن تحبيني ، ولم آتِ لأسرق منكِ فرحتك ، لكنك جعلتيني عدوك الوحيد ، و حملتيني مسؤولية كل انكساراتِك، حتى تلك التي صنعتها مخاوفِك ، أو أبقتها ذاكرتك حيةً بعدما تجاوزتها الأيام .
كلما حاولتُ أن ألفت انتباهِك إلى ما يؤذيكِ ، إتهمتيني بالقسوة ، وكلما دفعتكِ الحياة إلى مواجهة ما تهربي منه ، احتميتي بالشكوى مني ، وكأنني أنا من أغلق الأبواب في وجهِك ، وأنا من أقنعكِ بأنكِ عاجزة عن العبور .
ألم تسألي نفسكِ يوماً : كم من وجع أضفتِه إلى وجعك لأنكِ رفضتي الإعتراف به؟ وكم من معركةٍ خضتيها مع نفسك ، بينما كنتِ تظني أنك تحاربيني ؟
أنا لست مسؤولاً عن كل ما انكسر فيكِ ، ولست دائماً رسول حكمة يحمل إليكِ درساً ، فبعض الأوجاع لا تحمل تفسيراً ، وبعض الجراح تحتاج إلى علاج ، لا إلى مزيد من الصبر .
لكنني أرفض أن تجعليني إسماً آخر لهزيمتك ، أو أن تمنحيني سلطةً على حياتك لم أطلبها يوماً .
أنا الألم ، ولست الحياة كلها .
صمت قليلاً ، ثم نظر إليّ بعينين أنهكهما طول العتاب ، وقال :
لقد قضيتِ وقتاً طويلاً تحاولين التخلص مني ، لكن هل سألتِ نفسك يوماً عما ينبغي أن تتخلصين منه حقاً ؟ هل هو وجعك ، أم خوفك من أن يتكرر ؟ هل هي ذكرياتك ، أم محاولاتك المستمرة لإعادة عيشها ؟ وهل تريدين أن تتعافين فعلاً ، أم أنكِ اعتدتِ تعريف نفسك بما عانيتِه حتى صرتِ تخشين ألا تعرفيها بدونه ؟
أطرقتُ رأسي ، ولم أجد إجابة أهرب بها من مواجهته .
للمرة الأولى ، لم أكن أنا من يشتكي الألم ، بل كان الألم يشتكي مني .
وحين رفعتُ رأسي لأجيبه ، لم أجده قد اختفى ، لكنه لم يعد يقف في مواجهتي كما كان ؛ فقد أدركتُ أنني لست مضطرةً إلى إنكار وجوده كي أواصل الحياة ، ولا إلى الإستسلام له كي أعترف بوجعه .
ربما لم تكن المشكلة يوماً في أنني تألمت ، بل في أنني ، وسط محاولاتي المستميتة للنجاة من الألم ، كدت أنسى أن لي حياةً تستحق أن أعيشها .
ومنذ ذلك الحين ، لم أعد أسأل نفسي متى يرحل الألم فحسب ، بل كيف أستعيد حياتي ، حتى قبل أن يرحل .
فليس كل وجع عدواً ، وليس كل وجع حكيماً ، لكن لا ينبغي لأي وجع أن يصبح الحكاية كلها .
فأنا لست ألمي ، وإن كان الألم جزءاً من حكايتي .



تعليقات
إرسال تعليق